Sunday, August 24, 2008

ڤيرتيجو ... رواية لاتقرأها بعد منتصف الليل



ڤيرتيجو ... رواية لاتقرأها بعد منتصف الليل




تجاوزت الساعة منتصف الليل بدقائق قبل أن أخلد للنوم مبكراً على غير المعتاد ، وكالعادة إمتدت يدي لتقرأ بضعة صفحات من كتاب حتى يتسلل النوم ، كنت متحيراً من بين مجموعة الكتب التي إشتريتها مؤخراً من القاهرة وتوقف الإختيار بين ثلاثة روايات الأولى عزازيل ليوسف زيدان ، والثانية صالح هيصة لخيري شلبي ، والأخيرة فيرتيجو لأحمد مراد ، وأمسكت بالأخيرة وليتني مافعلت فالرواية إستدرجتني سريعاً من صفحة لأخرى حتى وصلت للصفحة 411 أو الصفحة الأخيرة لأجد الساعة قد تعدت الثامنة صباحاً بدقائق ، لم يحدث أن قمت بهذه الخطيئة من قبل إلا في رواية شيكاجو لعلاء الاسواني وإن كان ذلك يوم الجمعة يوم الأجازة الإسبوعية

راهن أحمد مراد في روايته الأولى ڤيرتيجو على عنصر التشويق لدرجة لاتجعلك تتركها وإستطاع في ظروف شبه مستحيلة بالنسبة لي أن يكسب الرهان ، الرواية بوليسية تختلط فيها السياسة بالمال بإنسيابية عالية إستطاع أن ينسجها من ظروف حالية وقضايا مختلفة قريبة مما نسمع عنها في عصرنا الحالي في تكوين درامي واقعي منسجم يخلو من المبالغة ، وإستطاع أن يرسم صورة حية تكاد تنطق لمجتمع الملاهي الليلية حين تنضم بين جنباتها السياسة والمال والصحافة
إستخدم أحمد مراد رموز ظاهرة لشخصيات ثانوية في الأحداث ليقرب الرواية إلى الواقع من خلال الأسماء مثل خالد الجندي وعمرو خالد وإبراهيم نافع وأيمن نور وحزب الغد وأيمن السويدي في أسماء مقاربة مثل الشيخ خالد عسكر وعمرو حامد وإبراهيم شافع ويامن أنور وحزب المستقبل وكريم السويسي ، ولم يكررها مع الشخصيات الأساسية والرئيسية بالقصة فالتفاصيل أهم من الرمز وخصوصاً الباشا الكبير


نجح في وصف رئيس التحرير جلال مرسي الذي إستحوذ على جزء كبير من الأحداث في صورة رئيس تحرير جريدة مستقلة يومية لها عدد إسبوعي ، يبدو معارضاً جريئاً ذو قلم حاد صوته عالي يهاجم بضراوة رموز الفساد السياسي بصورة تجعله فارساً لايخشى الحق في زمن قل فيه الفرسان ، حتى يكتشف الحقيقة المُرة بأنه ورقة في يد النظام لها دور محدد ومرسوم أهمها أن يكون صوت الديمقراطية الحر شكلاً ، الذي يكتفي به الشعب ليكون وكيلاً عنهم يتكلم بلسانهم ويفضح رجال المال والسياسة فيؤمن الشعب بقلمه نائباً عنهم بدلاً من نواب الشعب ، ولينام الشعب المنشغل بلقمة العيش هانئاً بقلم فارسه المغوار ، وهذا التصنيف التي كشفه أحمد مراد بصورة أدبية إستطاع أن يحلله بصورة مباشرة أيمن نور مطلقاً عليهم بذكاء حكوميو المعارضة في مقال نشر له مؤخراً في الدستور بعنوان معارضو المعارضة

الجانب الإجتماعي كان له نصيب في الرواية متمثلاً في علاقة بطل الرواية أحمد كمال بأخته ، التي تدخل مجال التدين المتشدد تدريجياً دون وعي كاد يفقده عقله عندما ينبهها بين الحين والآخر بأنها فتاة مثقفة ومتعلمة جامعياً ، متسائلاً كيف إستطاعت أن تلغي عقلها في أمور حياتها بدين مزيف متشدد ومعيب ، كذلك الخط الرومانسي الخلفي للرواية في قصة الحب لبطل الرواية مع فتاة الجاليري ناعم ورقيق إستخدمه أحمد مراد من وقت لآخر لإحداث التشويق البوليسي عندما ينقلك من خضم القصة البوليسية لتلك الخلفية الهادئة
من اللقطات التي تميزت بها الرواية بشكل يتوحد فيها القارئ مع الأحداث بشكل كبير ثلاثة لقطات .. الأولى في إكتشاف مقتل المصور جودة بعد أن تدرج في وصف القلق المتصاعد نتيجة غيابه المفاجئ ، والثانية قرب النهاية في اللقطة التي يدفع بها المبلغ النقدي لأخته من أسفل عقب الباب المغلق وهي جالسة على الجانب الآخر من الباب تبكي ، واللقطة الثالثة لحظة قيام نقيب وأمناء الشرطة بتوقيف بطل الرواية وحبيبته على النيل وشعوره بالعجز والإهانة أمامها رغم عدم قيامه بأي فعل مشين أو خاطئ معها ، في صورة غير منطقية للفتاة ومنطقية للقارئ الذي يعرف خلفية الأحداث ومايدور في ذهن بطل الرواية

الصياغة الأدبية للرواية سلسة ، تحتوي على اللغة الحديثة المتداولة بين الشباب والأصدقاء بإنسيابية دون إسفاف أو مبالغة متمثلة في حوارات بطل الرواية مع صديقه ، وأعجبني في الصياغة الوصف المطول للأشخاص والتعبيرات المستخدمة في كمية كبيرة من التشبيهات تعد جديدة ومبتكرة و شبابية ومرحة وساخرة إلى حد كبير لم تستخدم سابقاً ولم تستهلك قبلا ، يبرز من بينها بعضاً من ثقافة الأديب الشاب أحمد مراد


يقول يوسف إدريس في كتابه شاهد عصره .. إذا كانت الكتابة متعة فأمتع شيئ عندي هو القراءة ، وأمتع مافي القراءة أن تعثر على كتاب جيد ، وأنا بدوري أقول أن ڤيرتيجو كتاب جيد ، وإذا كنت تستطيع أن تستغني عن ثلاثون جنيها فأنصحك بشراء الرواية